responsiveMenu
صيغة PDF شهادة الفهرست
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
اسم الکتاب : الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني المؤلف : النفراوي، شهاب الدين    الجزء : 1  صفحة : 406
كَبِيرٌ وَذَلِكَ بِقَدْرِ كَثْرَةِ خَوْفِ أَهْلِ ذَلِكَ الثَّغْرِ، وَكَثْرَةِ تَحَرُّزِهِمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ.

وَلَا يُغْزَى بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبَوَيْنِ إلَّا أَنْ يَفْجَأَ الْعَدُوُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ الْحَرْبِيِّ مِمَّا يُعْتَادُ أَخْذُهُ فِي الْحَرْبِ كَفَرَسِهِ وَدِرْعِهِ وَسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ، وَمِنْطَقَتِهِ، وَيَدْخُلُ فِي فَرَسِهِ الْمَمْسُوكِ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ غُلَامِهِ لِلْقِتَالِ، وَسُمِّيَ سَلَبًا لِسَلَبِهِ مِنْهُمْ فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَيَسْتَحِقُّهُ كُلُّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَوْ تَعَدَّدَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَخَبَرُ السَّلَبِ كَائِنٌ. (مِنْ النَّفَلِ) الَّذِي مَرَّ تَعْرِيفُهُ بِأَنَّهُ مَالٌ مَوْكُولٌ عِلْمُ قَدْرِهِ لِلْإِمَامِ فَلَا يَكُونُ إلَّا مَحْسُوبًا مِنْ الْخُمُسِ، وَهَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ: وَلَا نَفَلَ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ، وَالسَّلَبُ مِنْ جُمْلَةِ النَّفَلِ.

[وَالرِّبَاطُ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ]
وَلَمَّا كَانَ الرِّبَاطُ شَبِيهًا بِالْجِهَادِ ذَكَرَهُ عَقِبَهُ بِقَوْلِهِ: (وَالرِّبَاطُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ لُغَةً: مُطْلَقُ الْإِقَامَةِ. وَشَرْعًا: الْإِقَامَةُ فِي ثَغْرٍ مِنْ الثُّغُورِ لِحِرَاسَةِ مَنْ بِهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالثَّغْرُ بِالْمُثَلَّثَةِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُخَافُ فِيهِ مِنْ الْكُفَّارِ كَدِمْيَاطَ وَعَسْقَلَانَ، وَإِسْكَنْدَرِيَّة مِنْ الْبِلَادِ الْقَرِيبَةِ مِنْ بِلَادِ الْكَفَرَةِ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ الْمِلْحِ، وَخَبَرُ الرِّبَاطِ كَائِنٌ.
(فِيهِ فَضْلٌ) أَيْ ثَوَابٌ (كَثِيرٌ) بِالْمُثَلَّثَةِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَهُ هُنَا، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ جُمَلٍ يَنُصُّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ بِقَوْلِهِ: وَالرِّبَاطُ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ وَحِيَاطَتُهَا وَاجِبٌ يَحْمِلُهُ مَنْ قَامَ بِهِ فَهُوَ كَالْجِهَادِ، وَوَرَدَ فِي فَضْلِهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فَمِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . وَمِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حُرِّمَتْ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَمِنْهَا: «رِبَاطُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ تَقُومُ لَيْلَهَا فَلَا تَفْتُرُ وَتَصُومُ نَهَارَهَا فَلَا تُفْطِرُ» . وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى كَثْرَةِ ثَوَابِهِ، وَظَاهِرُ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ ذَلِكَ الْفَضْلَ إنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ رَابَطَ لِمُجَرَّدِ سَدِّ الثَّغْرِ لَا مَنْ سَكَنَ بِأَهْلِهِ، وَأَقَامَ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التِّجَارَةِ، لِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ: مَنْ سَكَنَ الثَّغْرَ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ لَمْ يَكُنْ مُرَابِطًا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ سُكْنَاهُ تَبَعًا لِلرِّبَاطِ، وَلَوْلَاهُ لَمَا سَكَنَهُ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْبَاجِيُّ وَرَجَّحَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ، وَجَرَى خِلَافٌ فِي تَفْضِيلِهِ عَلَى الْجِهَادِ، وَيَظْهَرُ لِي فَضْلُ الْجِهَادِ عَلَى الرِّبَاطِ لِمَزِيَّةِ مَنْ ذَهَبَ لِلْقِتَالِ عَلَى مَنْ مَكَثَ فِي مَحَلِّ الْخَوْفِ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ أَحْمَزُهَا أَيْ أَشَقُّهَا.
(تَنْبِيهٌ) الْأَنْسَبُ التَّعْبِيرُ بِعَظِيمٍ بَدَلَ كَثِيرٍ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْكَثْرَةَ وَالْقِلَّةَ مِنْ عَوَارِضِ الْكَمِّيَّاتِ، وَأَمَّا الْعَظَمَةُ وَالْحَقَارَةُ فَمِنْ عَوَارِضِ الْكَيْفِيَّاتِ، فَيُقَالُ: اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وَالثَّوَابِ الْعَظِيمِ، وَلَكِنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَقْصِدْ فِي هَذَا الْكِتَابِ إلَّا الْعِبَارَةَ الْمَأْلُوفَةَ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ فَضْلَهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَقِلَّتِهِ بِقَوْلِهِ: (وَذَلِكَ) الْفَضْلُ بِمَعْنَى الثَّوَابِ مُتَفَاوِتٌ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ. (بِقَدْرِ) أَيْ بِحَسَبِ (كَثْرَةِ خَوْفِ أَهْلِ ذَلِكَ الثَّغْرِ) الْوَاقِعِ فِيهِ الرِّبَاطُ (وَ) بِقَدْرِ (كَثْرَةِ تَحَرُّزِهِمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ) ، وَإِذَا كَانَ الْخَوْفُ بِمَحَلٍّ ثُمَّ زَالَ فَلَا يُنْدَبُ الرِّبَاطُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّحَصُّنُ وَالتَّحَفُّظُ مِنْ سَطْوَةِ الْعَدُوِّ، وَإِذَا حَصَلَ الْأَمْنُ مِنْهُ فَلَا حَاجَةَ لِلرِّبَاطِ.

وَلَمَّا كَانَتْ طَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ الْفُرُوضِ الْعَيْنِيَّةِ قَالَ: (وَلَا يُغْزَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ يَحْرُمُ عَلَى الْوَلَدِ الْغَزْوُ (بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبَوَيْنِ) أَيْ الْقَرِيبَيْنِ لَا الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ؛ لِأَنَّ الْغَزْوَ الْأَصْلُ فِيهِ الْوُجُوبُ كِفَايَةً، وَإِطَاعَتُهُمَا عَيْنِيَّةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ لَيْسَ لِلْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ مَنْعُ وَلَدِهِمَا مِنْ الْجِهَادِ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَالْكَافِرُ كَغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِ، لَكِنْ قَيَّدَهُ الْمَوَّاقُ بِمَا إذَا عَلِمَ أَنَّ مَنْعَهُمَا مِنْهُ إنَّمَا هُوَ لِكَرَاهَتِهِمَا إعَانَةَ الْإِسْلَامِ وَنُصْرَتَهُ وَإِلَّا كَانَا كَالْمُسْلِمِينَ، وَلَا مَفْهُومَ لِلْغَزْوِ، بَلْ سَائِرُ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ لَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ الْخُرُوجُ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبَوَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي مُسْقِطَاتِ الْجِهَادِ: وَسَقَطَ بِمَرَضٍ وَصِبًى وَجُنُونٍ وَعَمًى وَعَرَجٍ وَأُنُوثَةٍ وَعَجْزٍ عَنْ مُحْتَاجٍ لَهُ وَرِقٍّ وَدَيْنٍ حَلَّ كَوَالِدَيْنِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ، وَكَتَجْرٍ بِبَحْرٍ أَوْ خَطَرٍ عَلَى مَا صَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ، فَشَمِلَ الْخُرُوجَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ الزَّائِدِ عَلَى الْعَيْنِيِّ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَإِنَّمَا يَمْنَعُ الْوَالِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا الْوَلَدَ مِنْ الْخُرُوجِ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ إذَا كَانَ عِلْمًا إذَا كَانَا فِي مَحَلِّهِمَا مَنْ يَقُومُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ. وَأَمَّا إذَا خَلَا عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَمْنَعَانِهِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ يُخَاطَبُ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ فَيُشْبِهُ الْفَرْضَ الْعَيْنِيَّ، وَهُمَا لَا يَمْنَعَانِ الْوَلَدَ مِنْهُ، وَقَالَ الطُّرْطُوشِيُّ: لَوْ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ مِنْ الْخُرُوجِ لِلْفِقْهِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ، وَمَرَاتِبِهِ، وَمَرَاتِبِ الْقِيَاسِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي بَلَدِهِ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِإِذْنِهِمَا، وَإِلَّا خَرَجَ، وَلَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي مَنْعِهِ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ دَرَجَاتِ الْمُجْتَهِدِينَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقَيَّدْنَا بِالزَّائِدِ عَلَى الْعَيْنِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَمْنَعَانِ الْوَلَدَ مِنْ الْخُرُوجِ لِمَعْرِفَتِهِ كَمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَعَقَائِدِ الْإِيمَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفُرُوضِ الْعَيْنِيَّةِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: وَإِذَا خَرَجَ بِإِذْنِهِمَا فَالْمُعْتَبَرُ مِنْهُ الْإِذْنُ بِاللِّسَانِ وَالْبَاطِنِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ بِمُجَرَّدِ إذْنِهِمَا بِاللِّسَانِ حَتَّى يَكُونَ الْقَلْبُ كَذَلِكَ، فَلَا يَخْرُجُ إذَا أَذِنَا بِلِسَانِهِمَا، وَهُمَا يَبْكِيَانِ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ وَعَدَمِهِ فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَيْهِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ الْأَبَوَيْنِ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّ مِثْلَ الْغَزْوِ كُلُّ سَفَرٍ مَخُوفٍ؛ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: يُغْزَى، وَمِثْلُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ أَحْرَى مِنْهُمَا السَّيِّدُ مَعَ عَبْدِهِ إذْ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ، وَكَذَا صَاحِبُ الدَّيْنِ لَهُ مَنْعُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ

اسم الکتاب : الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني المؤلف : النفراوي، شهاب الدين    الجزء : 1  صفحة : 406
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
صيغة PDF شهادة الفهرست